دعنا نتوقف فوراً عن ممارسة هذه المسرحية الهزلية فأنت لست ضحية لصحافة الترند بل أنت ممولها الرئيسي والمخرج الحقيقي لكل فصولها ففي كل مرة تشتعل فيها المنصات غضباً على موقع إخباري نشر تفاصيل مروعة لجريمة أسرية أو زرع كاميرته في وجه أم ثكلى أمام مشرحة تهرع أنت لإرتداء ثوب الفيلسوف الأخلاقي لتكتب بغضب أين شرف المهنة؟ إلى أين إنحدر الإعلام؟ ولكن الحقيقة المجردة التي ترفض مواجهتها هي أنك نقرت على الرابط وشاهدت المقطع للنهاية بل وشاركت الرابط مع معارفك تحت عنوان إنظروا إلى أين وصلنا لقد منحتهم المشاهدة والتفاعل ثم جلست تلعنهم بأصابع لا تزال رطبة من أثر النقر على الفضيحة.
الصحف والمواقع لم تهبط من كوكب آخر إنها دكاكين تجارية تقدم البضاعة التي يشتريها السوق لو كانت القراءات المتأنية والتحقيقات الإستقصائية المرهقة والتحليلات الإقتصادية الرصينة تُدر أرباحاً وتجلب تفاعلاً لتحولت غرف الأخبار إلى مراكز أبحاث لكنها تبيع الفضائح لأنك زبونها الأكثر وفاءً زبون يدعي الرقي نهاراً ويسيل لعابه ليلاً على هراء المشاهير وأسرار غرف النوم ورائحة الدم إن الخوارزمية لم تخترع قبحنا بل وفرت له مرآة عاكسة فقط فعندما ينشر موقع ما خبراً تافهاً بصياغة ركيكة وعنوان مضلل فهو لا يستخف بعقلك إعتباطاً بل لأنه يمتلك بيانات دقيقة تؤكد أن هذا العقل الكسول لن يلتفت إلا لهذا النوع من الطُعم فنحن مجتمع يعاني من شيزوفرينيا ثقافية نطالب بمحتوى يرتقي بالوعي لكننا لا نمنح أوقاتنا وإهتمامنا إلا لما ينحدر به إلى الحضيض فتوقف عن لوم الصحفي المبتدئ الذي يطارد جنازة ليضمن إستمراره في وظيفة بائسة فالأصبع الذي يضغط على الشاشة هو أصبعك أنت وأنت وحدك من يدفع فاتورة هذا العبث بإنتباهك ووقتك فصحافة الترند ليست مؤامرة خارجية لإفساد المجتمع بل هي القيء الذي تفرزه شهيتنا المفتوحة دائماً للفضول الرخيص سيموت السيرك فوراً في اللحظة التي يقرر فيها المتفرجون مغادرة الخيمة لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أنك تستمتع بالعرض وتكره الإعتراف بذلك.
